حمام في زمن الكورونا

حمام في زمن الكورونا

حمامٌ تائه الممشى يستفسر بخطوات هادئة ما يجري ، وحيدٌ بهديله يود أن ينادي البشر أين فروا ، تائه الممشى يتلفت من كل جاه محتاراً ، في الساحات و الشوارع و الأزقة ، هدوء داكن ، صمت و رعب يشع صداه من ثنايا المقابر ، في الخارج ، منظر يشابه الموت في ملاحمه ، مجالس الكهول ها قد خلت من روادها ، و أرجاء الشارع فقدت بريق رونقها ، فقدت النشاط و الشغب فقدت أطفالها ، هرع المسنون إلى كهوف قد تحميهم ، من شرٍ ، من الرحمة ذرة لا يسعى ، خلت المدن من كل رموزها ، من من لازموا الجدران و من تجار الهلوسة ، من فاقدي السيطرة و من مجرميها ، من زحمة الطريق و تضارب الأحداث ، أضاعت ، روتينها اليومي ، خلت المدينة ، من كل شيء ...

حمامٌ تائه الممشى يستفسر بهدوءه ما يجري ،

جاء و جاء الصباح و لم يجئ ، شيخ الحي الهرم ذو المشيب ، و لم يجئ معه فتاتُ عيشِ ، هو نبض حياة حمامة ، حمامة جابت بأجنجتها البلاد برا و بحرا ، و رفرفت في السماء عالياٍ حتى لامست برفرفتها السحاب ، ماذا تلمح ، أو بالأحرى ، ما كان تلمحه قبل كل هذا الهجر ، إكتظاظ بشر و زحمة سير ، شاحنات إسمنت تنطلق بالسرعة القصوى نحو مصانع في طريقٍ سريعة وعرة ، سيارة إسعاف تسارع الزمن لإنقاذ حياة أمٍ تحمل فلذة كبد في أحشاءها ، مارة من ملعب شعبي يتطاير عفن الألسنة منه في معركة طاحنة من أجل كسب قلب جلدٍ مدور ، و قلب فتى بجواره يعانق بمشاعره موجات البحر خذلاناً ، من عناق حبيبة غدى وهماً ، كوهم صيادٍ في الضفة الأخرة يرجوا البحر قوتاً يبحر به بعيداً عن كابوس المجاعة اللذي يراوده و أملاً يعيده لعالم و لو كان أساسه حلماً ، فما يدريك ، هي أحلام الأمس ، وقائع الغد ... ، فجأة ، هطول أمطار تبعها ريح موسمي يضرب سطوح الشاطئ عند الروشيات ، و يقلب الجو المشمس الدافئ رأسا على عقب في موطن إحتكرت المزاجية مناخه ، مزاجية تشابه تلك التي إمتاز بها خضار الحارة و هو يوبخ عماله على سلعة إقتنوها بعفنها ، تلك التي نجدها من زبائن الجزار من رضى و إمتعاض على أسعار تنزل و تلتهب بفضاعة ، كفضاعة لهيب نهش بيوت خشب ..

في الصباح ، دائما يحضرون و يزينون النهار و بدايته ، صغار المدرسة رفقة أولياءهم وجهتم الإبتدائية و سلاحهم لمجة الفسحة و عشقهم رسوم الظهيرة و أغانيها البهيجة التي تطرب الأحياء بلطافتها ، و كومة الإحساس فيها ، في الظهيرة دائما يحضرون ، قطط و هرر يطلبون طعامهم اليومي من بائع السمك صديقهم ، أبوهم الروحي ، أبناءه الأعزاء ، في الصباح داءما يحضرون ..

في المساء دائما يحضرون ، شيوخ الحي و أحفادهم ، يتنزهون عند الحديقة و يلقون النكات على المارة ببشاشة ، تستحضر سنينهم الذهبية كالسحر ، و كأن الشباب قد عاد خضوعاً لخاطرهم ما أوسعه ...

أطفال ، ذكور و إناث ، شيوخ ، شباب زعر و أمهات ، ، مزاجية مناخ و عشاق فرقتهم الألام ، و أحداث متضاربة تحمل في طياتها تفاصيل حيات وردية بديعة و إن إسودت و قست ، لخصت روتين حياتنا و نمطها ، و هي بالتأكيد حصيلة ما كسبه وجداننا ، فما القصة ؟

حمامٌ تائه الممشى يستفسر بخطوات هادئة ما يجري ، وحيدٌ بهديله يود أن ينادي البشر أين فروا ، تائه الممشى يتلفت من كل جاه محتاراً ، كل ما كان يلمحه من البداية لم يكن سوى ذكريات جابت مخيلته عن ما كان يعيشه محيطه الحزين في يوم ليس ببعيد ، عاشه قبل أن تحل لعنة السماء على أرضٍ ، تفشى الخراب في ثناياها و وصلت مصائبها إلى فوهة البركان ، بركان قد ينتفض و ينفض من كوكبنا ، من ترابه و سماءه ، كل الشىرور ، فعودوا إلى بيوتكم ، فقد جائتكم الكورونا ، فسلام.