البطل الوحيد

البطل الوحيد

عمر جبر

البطل الوحيد .. يجلس وحيداً ، يشعر بكونه سئم كل ما يدور في الخارج .. تلك التصرفات الطفولية التي يراها من مَن هم حوله ، لم يعد يستطيع التعبير عن مشاعره بعد الآن ، ولكنه وحيداً في غرفته الآن ، لعلها الفرصة المناسبة لإخراج كل ما بداخله من غضب وكره تجاه الآخرين وافعالهم .. يتذكر ذلك الموقِف عندما تجاهله احد الاشخاص .. بينما كان يرغب هو في التقرب منه ، وبدلاً من ذلك اصبح يحمل له كرهتً جماً .. لماذا قد يفعل احداً شيئاً كهذا ! التجاهل شيء سيء ، يجعلك تكره نفسك في بعض الأحيان ، أو ربما في جميع الأحيان ، : لقد كانت رغبتي هي التقرب منه ، ولكنه مغرور .. يشعر وكأنني اقل منه ولكن بالطبع أنا لست كذلك وعليه ان يعلم ذلك الآن ، عليه ان يعلم انه لم يعد يُحدث أي فارقاً معي..

 بالطبع هو كذلك .. يصمت لدقيقة ، يحاول تذكر بقية احداث اليوم بعدما بدأ الغضب في التمكن منه والسيطرة عليه .. بدأت تضيق عيناه ؟ تملأها الدموع ولكنه يتمالك نفسه سريعاً .. : اهدأ ، ما الذي يحدث ، لا احد يستحق ان تبكي من أجله ، ربما تكرر الموقف معي مرات بعد مرات .. هل أنا شخص سيء الي ذلك الحد !

لا اعلم ولكن لا احد يشعر بما اشعر به .. لا احد يعرفني وربما لو حاول احدهم التقرب مني لوجد شخصاً مغايراً تماماً ، ولكنهم لا يحاولون ذلك .. لا احد يحاول فعل ذلك فقط يحاولون التقرب لذوي الوجوه الجميلة ، الاجساد الجيدة ، المكانة الاجتماعية .. ولكن أنا ! أنا فقط غير مرغوب في وجودي بسبب اشياءً خارجه عن إرادتي ..

تباً لهم جميعاً .. انني امقتهم .. الان بالتأكيد يجلس كلاً منهم يتقرب لشخصه المفضل بينما اجلس ها هنا وحيداً .. لا احد يشعر بي ، اتذكر ذلك اليوم عندما حدثني صديقي عن محبوبته التي تحاول التقرب منه بشتى الطرق .. كيف يقضي معها ليلته كل يوم يتناولون الأحاديث المختلفة .. بالتأكيد يستطيع التعبير عن مشاعره معها ..

ولكن المضحك في الأمر انه في بعض الأحيان يشتكي من عبء الحياة ويحاول إثبات كونه يعاني .. لا هو ليس كذلك هو لا يعاني ولا يشعر بذلك علي الإطلاق لا تستطيع اخباره ما هو قدر احتياجك لشخص بجانبك .. ولا احد بجانبك لانك لا تملك تلك المقومات يا عزيزي .. سنظل نحارب وحيدون .. لا تستطيع اخبار اي شخص بأنك سئمت الوحدة .. ولا تستطيع اخبارهم بأنك وحيد من الأساس ..

سيقولون بكل بساطه كيف لك ان تتحدث عن الوحدة ونحن اصدقاءك ! نحن هنا بجانبك ، ولكنهم لا يشعرون بأي شيء .. سئمت الوحدة يا عزيزي .. حتي ينهمر في البكاء ليلة كاملة .. وعندما يستيقظ ويخرج لملاقاة اصدقائه .. يحاول إخفاء كل ما كان يشعر به .. يضحك امامهم حتي يُثبت لهم انه بخير ، يضحك كما يضحك الجميع ، وكلما اراد الذهاب يخاف ان يشعر به احدا ، فيجلس ليكمل جلسته حتي نهايتها ، ربما يكون آخر من يرحل من تلك الجلسة ، وعندما ينتهي ، يعود الي منزله ليُعيد التفكير في كل ما كان يفكر به مره واثنين ومئة مره ..

بدأت تظهر عليه علامات الارهاق بالتدريج ، اصبح جفنه مجعداً اسود اللون .. اصبحت عينيه ضيقةً ، ينظر إلي المرآه حتي يشعر بالحسرة علي حالته ، وبالتدريج يوماً بعد يوم .. يكره ذاته اكثر فاكثر .. حتي انه في احد الايام اصبح يصرخ كالمجنون في غرفته .. لماذا انا .. حتي يسمع صوت هاتفه ، احدهم قام بإرسال رسالة إليه .. لم ينظر الي الهاتف حتي ، لا يريد ذلك .. وإذا برسالة آخري من الشخص ذاته .. نظر ليعرف من المُرسل ، وجد اسماً لاحد أصدقائه ..

حاول الامساك بهاتفه حتي يقوم بالرد ولكنه لا يقوى حتي علي فعل ذلك .. لا يستطيع التفكير في اي رد الآن .. فقد قرر ترك تلك الرسالة الان .. معللاً ذلك بأن صديقه بالتاكيد ليس بحاجه إليه .. فلا مشكله من التاخر في الرد .. تمر الساعة الاولي والثانية .. وما ان استجمع قواه قام بالرد .. ليرد صديقه في الدقيقة التالية .. ينظر إلي هاتفه منزعجاً من صوت الإشعار : انا لست متفرغاً لحديثك الآن .. يقوم بإغلاق هاتفه نهائياً ..

: انا اسف يا صديقي ، تعلم انني احبك ، تعلم انني اقدرك ، ولكنني لست اقوى علي الرد الآن .. اتمني ان تعذرني ف انا لا ارغب في الظهور امامك بتلك الصورة السيئة .. في الصباح سنتحدث بكل تاكيد .. يقول كل هذا الحديث بداخل نفسه ..

اضواء غرفته مغلقه بالكامل ، ينظر إلي يديه التي بالكاد يراها .. حتي يشعر بالضجر .. ينهض ليخرج في شرفة غرفته الصغيرة التي تطل علي احد المنازل المقابلة له .. ينظر ليلمح ضوءاً بسيطاً خارجاً من احدي الغرف .. ينظر إليه في حزن شديد .. : بالتاكيد هو في محادثة مع احدهم الآن .. لا اتمني زوال ذلك من يده بكل تاكيد ولكنني اتمني لو انني كنت مكانه الآن ، اقوم بمحادثة من احب .. ينظر داخل تلك الغرفه بشغف ، محاولاً النظر الي ذلك الشاب الذي يسكنها .. ليرى ما يشعر به ، يرى الفرح علي وجهه وهو يحادث من يحب ولكنه يرى ذلك الشاب جالساً فقط ..

ينتظر كثيراً ليحاول رؤيته يُمسك بهاتفه ويحادث احدهم ولكنه لا يفعل .. يضع كل تركيزه في تلك الغرفة التي اخرجته من دائرة حزنه لدقائق .. ليتفاجأ بذلك الشاب ينهمر لي البكاء هو الآخر .. مهلاً ، إنه يعرفه .. انه ذلك الشاب الذي يجلس معهم في بعض الأحيان علي المقهى ، تلك الجلسات المليئة بالضحك كما العادة ، لا بأس لن اشغل بالي كثيرا ، لدي من الهموم ما يكفيني ..

يعود إلي غرفته ويغلق تلك الشرفة لينام .. لا يستطيع التوقف عن التفكير في ذلك الشاب .. وما يحدث معه ، وهل يعاني هو الاخر من نفس ما اعانيه انا ! يقوم بفتح هاتفه اخيرا ، ليجد منشوراً يتحدث عن لغة ما تُدعى لغة الجسد .. يري بها ما يري ، حتي تقع عينه علي ما يظهر علي ذلك الشخص الحزين ، ينظر الي المرآه ليجد كل علامات الحزن المذكوره ، لم ينم في تلك الليلة من التفكير في الامر .. وفي اليوم التالي كدالمعتاد يجلس مع أصدقائه علي المقهى ولكنه لا ينفك يفكر في ما رأى ليلة أمس ، وبينما يجلس الجميع يتناولون النكات ويضحكون بشده ، إذا به ينظر إلي عين صديقه ، يدقق بها ثم يلتفت لينظر في اعين الجميع بدون ان يلحظ احدهم ..

وما ان تنتهي الجلسة حتي يعود سريعاً يفتح هاتفه ، يعود للبحث في لغة الجسد .. ينظر الي تلك اللغة وينظر الي المرآه .. يتذكر جيداً كل ما رآه في اعين أصدقائه ، ويحاول هو الاخر تمثيل ما يقوم بتمثيله كل يوم اما أصدقائه .. ليقف امام نفسه للحظة ، ستخرج سريعاً صورة له ولأصدقائه وهم يضحكون ، ينظر الي اعينهم جيداً ويحاول تفسير ما تعبر عنه .. ولكنه اخيراً بدأ يدرك انه ليس البطل الوحيد .. هو ليس الوحيد الذي سئم من تلك التصرفات ..

هو ليس الوحيد الذي يعاني تلك المعاناة ، ولكن إذا كان الجميع يعاني نفس تلك المعاناة .. فمن الذي يتسبب بها لهم ! لينظر اليهاتفه سريعاً ، يكتشف عشرات الرسائل التي قام بتجاهلها لمرات ومرات ، ومثلها من قام بتجاهله .. : مهلاً ، هل كنت أنا ! هل من الممكن ان اكون انا ! ولكنني لم اقصد ذلك يوماً ! ليستمع إلي صوتاً يكاد يخترق أذنه ..

: كما يقول جميعهم .. ( مهلاً .. انا لا اقصد ذلك ) ف ربما لو توقفت عن لومهم قليلاً ، لاصبحت حياتك اكثر سعادةً ، ستتفرغ لحياتك وتحقق نجاحاتك التي تجعلك تفتخر بنفسك امامهم .. التي تجعلك صاحب جسداً جيداً ، مكانةً أجتماعية جيدةً ، وستحصل علي ما تريد .. ولا يعين هذا بالضرورة التخلي عنهم ، ولكن علي الجميع فعل المثل .. عليك الاهتمام بحياتك ، بينما الاصدقاء ! ليس عليهم دائماً ان يكونوا حاضرين من اجلك ، والا اصبح عليك الوجود دائماً من اجلهم .. تلك هي ياصديقي.